أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

544

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« فَيُصْبِحُوا » ليس فيه ضمير يعود على اسمها فكان من حقّ المسألة الامتناع لكنّ الفاء للسببية ، فجعلت الجملتين كالجملة الواحدة وذلك جار في الصلة نحو : « الذي يطير فيغضب زيد الذباب » ، والصفة نحو : « مررت برجل يبكي فيضحك عمرو » ، والخبر نحو : « زيد يبكي فيضحك خالد » ، ولو كان العاطف غير الفاء لم يجز ذلك . والثاني : أنه منصوب بإضمار « أن » بعد الفاء في جواب التمني قالوا : « لأنّ عسى تمنّ وترجّ في حق البشر » . و « عَلى ما أَسَرُّوا » متعلق ب « نادِمِينَ » خبر « أصبح » . قوله تعالى : وَيَقُولُ : قرأ أبو عمرو والكوفيون بالواو قبل « يَقُولُ » ، والباقون بإسقاطها ، إلا أنّ أبا عمرو نصب الفعل بعد الواو ، وروى عنه علي بن نصر « 1 » الرفع كالكوفيين ، فتحصّل فيه ثلاث قراءات : « يَقُولُ » من غير واو « وَيَقُولُ » بالواو والنصب ، « وَيَقُولُ » بالواو والرفع . فأمّا قراءة من قرأ « يقول » من غير واو فهي جملة مستأنفة سيقت جوابا لسؤال مقدر ، كأنه لمّا تقدّم قوله تعالى : « فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ » إلى قوله : « نادِمِينَ » ، سأل سائل فقال : ماذا قال المؤمنون حينئذ ؟ فأجيب بقوله تعالى : « يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا » إلى آخره ، وهو واضح ، والواو ساقطة في مصاحف مكة والمدينة والشام ، والقارئ بذلك هو صاحب هذه المصاحف ، فإن القارئين بذلك ابن كثير المكي وابن عامر الشامي ونافع المدني ، فقراءتهم موافقة لمصاحفهم ، وليس في هذا أنهم إنما قرؤوا كذلك لأجل المصحف فقط ، بل وافقت روايتهم مصاحفهم على ما بيّنته غير مرة . وأمّا قراءة الواو والرفع فواضحة أيضا لأنها جملة ابتدىء بالإخبار بها ، فالواو استئنافية لمجرد عطف جملة على جملة ، فالواو ثابتة في مصاحف الكوفة والمشرق ، والقارئ بذلك هو صاحب هذا المصحف ، والكلام كما تقدّم أيضا . وأمّا قراءة أبي عمرو فهي التي تحتاج إلى فضل نظر ، واختلف الناس في ذلك على ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب عطفا على « فَيُصْبِحُوا » على أحد الوجهين المذكورين في نصب « فَيُصْبِحُوا » وهو الوجه الثاني ، أعني كونه منصوبا بإضمار « أَنْ » في جواب الترجّي بعد الفاء إجراء للترجّي مجرى التمني ، وفيه خلاف مشهور بين البصريين والكوفيين ، فالبصريون يمنعونه والكوفيون يجيزونه مستدلّين على ذلك بقراءة نافع : « لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ » « 2 » بنصب « تنفعه » ، وبقراءة عاصم في رواية حفص : « لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطّلع » بنصب « فأطّلع » ، « 3 » وسيأتي الجواب عن الآيتين الكريمتين في موضعه . وهذا الوجه - أعني عطف « وَيَقُولُ » على « فَيُصْبِحُوا » - قاله الفارسي وتبعه جماعة ، ونقله عنه أبو محمد بن عطية وذكره أبو عمرو بن الحاجب أيضا ، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بعد ذكره الوجه المتقدّم : « وهذا وجه جيد أفادنيه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب ولم أره لغيره ، وذكروا وجوها كلّها بعيدة متعسّفة » انتهى . قلت : وهذا - كما رأيت - منقول مشهور عن أبي علي الفارسي ، وأمّا استجادته هذا الوجه فإنما يتمشى على قول الكوفيين ، وهو مرجوح كما تقرر في علم النحو . الثاني : أنه منصوب عطفا على المصدر قبله وهو الفتح كأنه قيل : فعسى اللّه أن يأتي بالفتح وبأن يقول ، أي : ويقول الذين آمنوا ، وهذا الوجه ذكره أبو جعفر النحاس ، ونظّروه بقول الشاعر :

--> ( 1 ) علي بن نصر بن علي بن صهبان أبو الحسن الجهضمي البصري مات سنة تسع وثمانين ومائة ويقال : ثمان اتفق الشيخان على توثيقه . انظر غاية النهاية ( 1 / 582 - 583 ) . ( 2 ) سورة عبس ، الآية ( 4 ) . ( 3 ) سورة غافر ، الآيتان ( 36 - 37 ) .